ابن أبي الحديد
263
شرح نهج البلاغة
قال لأبي بكر في صحبته إياه وكونه معه في الغار مثل ذلك ، ولا قال له أنفق واعتق فإنك لن تفتقر ، ولن يصل إليك مكروه ( 1 ) . قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله هذا هو الكذب الصراح ، والتحريف والادخال في الرواية ما ليس منها ، والمعروف المنقول انه صلى الله عليه وآله قال له اذهب فاضطجع في مضجعي ، وتغش ببردي الحضرمي ، فان القوم سيفقدونني ، ولا يشهدون مضجعي ، فلعلهم إذا رأوك يسكنهم ذلك حتى يصبحوا ، فإذا أصبحت فاغد في أداء أمانتي ، ولم ينقل ما ذكره الجاحظ ، وإنما ولده أبو بكر الأصم ، واخذه الجاحظ ، ولا أصل له ، ولو كان هذا صحيحا لم يصل إليه منهم مكروه ، وقد وقع الاتفاق على أنه ضرب ورمى بالحجارة قبل أن يعلموا من هو حتى تضور ، وانهم قالوا له رأينا تضورك ، فانا كنا نرمي محمدا ولا يتضور ، ولان لفظة المكروه إن كان قالها إنما يراد بها القتل ، فهب انه امن القتل ، كيف يأمن من الضرب والهوان ، ومن أن ينقطع بعض أعضائه ، وبان سلمت نفسه أليس الله تعالى قال لنبيه ( بلغ ما انزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) ( 2 ) ومع ذلك فقد كسرت رباعيته وشج وجهه ، وأدميت ساقه ، وذلك لأنها عصمة من القتل خاصة ، وكذلك المكروه الذي أومن علي عليه السلام منه - وإن كان صح ذلك في الحديث - إنما هو مكروه القتل . ثم يقال له وأبو بكر لا فضيلة له أيضا في كونه في الغار ، لان النبي صلى الله عليه وآله قال له ( لا تحزن إن الله معنا ) ، ومن يكن الله معه فهو آمن لا محالة من كل سوء ، فكيف قلت ولم ينقل ناقل أنه قال لأبي بكر في الغار مثل ذلك فكل ما يجيب به عن هذا فهو جوابنا عما أورده ، فنقول له هذا ينقلب عليك في النبي صلى الله عليه وآله
--> ( 1 ) العثمانية 45 . ( 2 ) سورة المائدة 67 .